أبي طالب المكي

55

علم القلوب

وقال الفضل : إنما هما عالمان : عالم دنيا وعالم آخرة ، فأما عالم الدنيا فعلمه منشور ، وأما عالم الآخرة فعلمه مستور ، فاطلب عالم الآخرة ، واهرب من عالم الدنيا ، لا يصدنك عن طريق الحق بسكره ، ثم قرأ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ التوبة : 34 ] . وقال عيسى ، عليه السلام : العلماء السوء كمثل الصخرة وقعت في نهر جار ، لا هي تشرب الماء فتنتفع ، ولا هي تترك الماء فيخلص إلى الزرع والشجر ، فيحيى العباد والبلاد ، فهم غير مخلصين إلى اللّه . ولما أوحى مرسل الزبور إلى صاحب الزبور ، قال : يا داود ، لا تسكن إلى عالم قد أسكرته الدنيا ، فيصدك بسكره عن طريق محبتي ، أولئك قطاع الطريق عن عبادي « 1 » المريدين . وسئل أبو الدرداء عن لقمان وحكمته ، فقال : أما واللّه ما أوتى الحكمة للحسب ، ولا لأهل ، ولا عشيرة ، ولا مال ، ولا بسطة في جسمه ، ولكنه كان رجلا أسود الجسم ، أبيض القلب ، وهو قوى في أمر اللّه ، متورع في دين اللّه ، طويل السكوت ، دقيق النظر ، كثير الحزن ، عظيم الفكر ، حديد البصر ، منتفع بالعبر ، لم ينم بالنهار قط ، ولم يبك في محفل قوم قط ، ولم يره أحد على بول ، ولا غائط ، ولا اغتسال قط ، لشدة سبره ، وعمق نظره ، ولم يضحك قط ، ولم يغضب قط مخافة الإثم ، ولم يمازح قط ، ولم يفرح ، وقد نكح النساء ، فولد له أولاد كثيرة ، قدم أكثرهم « 2 » قبضا ، فما بكى عند موت واحد منهم ، ولم يمر برجلين يقتتلان أو يختصمان إلا أصلح بينهما ، ولم يسمع من أحد قولا قط يستحسنه إلا سأله عن تفسيره وعمن أخذه ، وكان يكثر مجالسة الحكماء ، فكان يغشى القضاة والسلطان ، فيرى القضاة وما ابتلوا به ، فيعتبر بهم ، ويرى السلاطين والملوك وعزتهم باللّه وطمأنينتهم إلى الدنيا ، فيتفكر في ذلك ويرحمهم ، وكان يداوى قلبه بالمعرفة ، ويداوى نفسه بالعبرة ، ويداوى عينه بالدمعة ، ويداوى جسده بالكد والخدمة ، ولذلك أوتى الحكمة .

--> ( 1 ) لأنه يضل الناس بتطويع علمه لخدمة الأغراض الدنيوية ، ويتأول ما يدعو إلى الآخرة تأولا قد يكون منحرفا . ( 2 ) في الأصل : أكثره .